عبد الرحمن بن ناصر السعدي

474

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) * يخبر تعالى ، عن اختلاف أهل الكتاب ، في عدة أصحاب الكهف ، اختلافا ، صادرا عن رجمهم بالغيب ، وتقولهم بما لا يعلمون ، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال : منهم : من يقول : ثلاثة ، رابعهم كلبهم ، ومنهم من يقول : خمسة ، سادسهم كلبهم . وهذان القولان ، ذكر الله بعدهما ، أن هذا رجم منهم بالغيب ، فدل على بطلانهما . ومنهم من يقول : سبعة ، وثامنهم كلبهم ، وهذا والله أعلم هو الصواب ، لأن الله أبطل الأولين ، ولم يبطله ، فدل على صحته . وهذا من الاختلاف ، الذي لا فائدة تحته ، ولا يحصل بمعرفة عددهم ، مصلحة للناس ، دينية ، ولا دنيوية ، ولهذا قال تعالى : * ( قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ) * وهم الذين ، أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم . * ( فلا تمار ) * تجال وتحاج فيهم * ( إلا مراء ظاهرا ) * أي : مبنيا على العلم واليقين ، ويكون أيضا فيه فائدة ، وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب ، أو التي لا فائدة فيها . إما أن يكون الخصم معاندا ، أو تكون المسألة لا أهمية فيها ، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها ، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك ، فإن في كثرة المناقشات فيها ، والبحوث المتسلسلة ، تضييعا للزمان ، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة . * ( ولا تستفت فيهم ) * أي : في شأن أهل الكهف * ( منهم ) * أي : من أهل الكتاب * ( أحدا ) * وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن ، الذي لا يغني من الحق شيئا ، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى ، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه ، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به ، وليس عنده ورع يحجزه . وإذا نهى عن استفتاء هذا الجنس ، فنهيه هو عن الفتوى ، من باب أولى وأحرى . وفي الآية أيضا ، دليل على أن الشخص ، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء ، دون آخر . فيستفتى فيما هو أهل له ، بخلاف غيره ، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا ، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف ، وما أشبهها . * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من ه ذا رشدا ) * هذا النهي كغيره ، وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن الخطاب عام للمكلفين ، فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة * ( إني فاعل ذلك ) * من دون أن يقرنه بمشيئة الله ، وذلك لما فيه من المحذور ، وهو : الكلام على الغيوب المستقبلة ، التي لا يدري ، هل يفعلها أم لا ؟ وهل تكون أم لا ؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا ، وذلك محذور محظور ، لأن المشيئة كلها لله * ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) * ولما في ذكر مشيئة الله ، من تيسير الأمر وتسهيله ، وحصول البركة فيه ، والاستعانة من العبد لربه ، ولما كان العبد بشرا ، لا بد أن يسهو عن ذكر المشيئة ، أمره الله أن يستثني بعد ذلك ، إذا ذكر ، ليحصل المطلوب ، ويندفع المحذور . ويؤخذ من عموم قوله : * ( واذكر ربك إذا نسيت ) * الأمر بذكر الله عند النسيان ، فإنه يزيله ، ويذكر العبد ما سها عنه . وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله ، أن يذكر ربه ، ولا يكونن من الغافلين . ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة ، وعدم الخطأ ، في أقواله وأفعاله ، أمره الله أن يقول : * ( عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) * ، فأمره أن يدعو الله ويرجوه ، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد . وحري بعبد ، تكون هذه حاله ، ثم يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد ، أن يوفق لذلك ، وأن تأتيه المعونة من ربه ، وأن يسدده في جميع أموره . * ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) * لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب ، في شأن أهل الكهف لعدم علمهم بذلك ، وكان الله ، عالم الغيب والشهادة ، العالم بكل شيء أخبره الله بمدة لبثهم ، وأن علم ذلك ، عنده وحده ، فإنه من غيب السماوات والأرض ، وغيبها مختص به ، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله ، فهو الحق اليقين ، الذي لا شك فيه ، وما لا يطلع رسله عليه ، فإن أحدا من الخلق ، لا يعلمه . وقوله : * ( أبصر به وأسمع ) * تعجب من كمال سمعه وبصره ، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات ، بعدما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات . ثم أخبر عن